ابراهيم بن عمر البقاعي
79
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
خيامهم ، وأوهنت ببردها عظامهم ، وأجالت خيلهم وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها يصح أن تكون الرؤية بصرية وقلبية ، منها من البشر نعيم بن مسعود الغطفاني رضي اللّه عنه هداه اللّه للإسلام ، فأتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : إنه لم يعلم أحد بإسلامي ، فمرني يا رسول اللّه بأمرك ! فقال : « إنما أنت فينا رجل واحد والحرب خدعة ، فخذل عنا مهما استطعت » فأخلف بين اليهود وبين العرب بأن قال لليهود وكانوا أصحابه : إن هؤلاء - يعني العرب - إن رأوا فرصة انتهزوها وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين . وليس حالكم كحالهم ، البلد بلدكم وبه أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم ، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ليكونوا عندكم حتى تناجزوا الرجل ، فإنه ليس لكم بعد طاقة إذا انفرد بكم ، فقالوا : أشرت بالرأي ، فقال : فاكتموا عني ، وقال لقريش : قد علمتم صحبتي لكم وفراقي لمحمد ، وقد سمعت أمرا ما أظن أنكم تتهمونني فيه ، فقالوا : ما أنت عندنا بمتهم ، قال : فاكتموا عني ، قالوا : نفعل ، قال : إن اليهود قد ندموا على نقض ما بينهم وبين محمد وأرسلوا إليه : إنا قد ندمنا فهل ينفعنا عندك أن نأخذ لك من القوم جماعة من أشرافهم تضرب أعناقهم ، ونكون معك على بقيتهم ، حتى تفرغ منهم لتكف عنا . وتعيد لنا الأمان ، قال : نعم ، فإن أرسلوا إليكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا ، ثم أتى غطفان فقال : إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إليّ ، قالوا : صدقت ، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش واستكتمهم ، فأرسلت إليهم قريظة يطلبون منهم رهنا فقالوا : صدق نعيم ، وأبوا أن يدفعوا إليهم أحدا ، فقالت قريظة : صدق نعيم ، فتخاذلوا واختلفت كلمتهم ، فانكسرت شوكتهم ، وبردت حدتهم « 1 » ، ومنها من الملائكة جبرائيل عليه السّلام ومن أراد اللّه منهم - على جميعهم أفضل الصلاة والسّلام ، والتحية والإكرام ، فكبروا في نواحي عسكرهم ، وزلزلوا بهم ، وبثوا الرعب في قلوبهم ، فماجت خيولهم ، واضمحل قالهم وقيلهم ، فكان في ذلك رحيلهم ، بعد نحو أربعين يوما أو بضع وعشرين - على ما قيل . ولما أجمل سبحانه القصة على طولها في بعض هذه الآية ، فصلها فقال ذاكرا الاسم الأعظم إشارة إلى أن ما وقع فيها كان معتنى به اعتناء من بذل جميع الجهد وإن كان الكل عليه سبحانه يسيرا : وَكانَ اللَّهُ الذي له جميع صفات الكمال والجلال والجمال بِما يعملون أي الأحزاب من التحزب والتجمع والتألب والمكر والقصد
--> ( 1 ) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية 3 / 154 مطولا في باب قصة نعيم وخداعه للمشركين ا ه وقوله « الحرب خدعة » أخرجه البخاري 3030 ومسلم 1739 وأبوا داود 2636 والترمذي 1675 وابن حبان 4763 من حديث جابر .